أهـم الأنبــاء

كوكاكولا لنبني غذا أفضل

العربي بن مبارك من المجد الى النسيان

بتاريخ : الاثنين، 29 أغسطس، 2011 | الأعمدة :




عاش "العربي بن مبارك" نجومية لم يتسن لأحد من المغاربة أن يعرفها قبله او بعده. هتف باسمه الآلاف في فرنسا واسبانيا، وفي سبتمبر عام 1992 أغمض الموت عينيه. كان رحيله تراجيدياً، في حياة أيضاً فيها الكثير من الثقوب والمحطات المؤلمة. رحل" العربي" في شقة متواضعة في بناية أكثر تواضعاً في حي "بن جدية" الشعبي في الدارالبيضاء. وبقى هناك أربعة أيام ، لا احد يعرف بان الرجل قد فارق دنيا الناس هذه. التقطت صحيفة "لكيب" الفرنسية هذه الحدث الدرامي المؤثر، وكتبت عنواناً يقول "الجوهرة السوداء رحل منسياً وسط المغاربة".

حمل " العربي بن مبارك" لقب "الجوهرة السوداء" قبل البرازيلي بيليه بفترة طويلة، إذ عرفته ميادين كرة القدم الفرنسية في ثلاثينات القرن الماضي مهاجماً مبدعاً يعرف المسالك نحو هز الشباك. الكرة بين رجليه "لعبة" يفعل بها ما يشاء، يركض بها، يراوغ، يرفعها إلى السماء، يمررها كيف يشاء ومتى يشاء، يمتع بها نفسه قبل ان يمتع الآخرين.

كاد المغاربة أن ينسوا هذا اللاعب الأسطورة. بل لعلهم نسوا بالفعل هذا " التراث" الكروي. لكن المخرج إدريس المريني، عاد لينعش ذاكرتهم. قال المريني قبل عرض شريطه السينمائي أمام نخبة، في مسرح محمد الخامس بالرباط" هذا العمل يحتفي بالذاكرة، ليس عملاً استثنائيا بل عملاً بسيطاً لكنه يحمل رسالة، إنه رسالة ضد النسيان واللامبالاة". وكان لافتاً للانتباه أن يحضر الشريط الجنرال الكتوم حسني بن سليمان، قائد الدرك الملكي، ربما راوده الحنين الى أيامه في الملاعب، حين كان حارساً لمرمى فريق الجيش الملكي. أشرف على حفل حمل دلالات كثيرة، حسن العمراني، وهو محافظ الرباط، لكن المريني قدمه بصفته الأخرى. قال إنه مثقف يعشق الفن.

يعتمد الشريط السينمائي، الذي سينزل القاعات هذا الأسبوع،على تقنية "فلاش باك" ، وسرد أقرب ما يكون الى السرد الروائي. مع اللقطة الأولى، احتفى المريني بالذاكرة الصحافية، حيث يبدأ الفيلم مع صحافي فرنسي من الذين واكبوا " العربي" محترفاً في فريق أولمبيك مارسيليا ". صحافي يكتب جذاذات عن تاريخ "الجوهرة السوداء" والى جانبه شمعة تحترق، ومنفضة عليها سيجار، يعود اليها الصحافي بين الفينة والأخرى. ينتهي الشريط باللقطة نفسها، لنجد أن الشمعة قد احترقت والمنفضة امتلأت رماداً. هو الرماد نفسه الذي كان يعالج به " العربي" جرحاً في رجله، في أواخر أيامه رافضاً مراجعة الأطباء. كان الصحافي قد كتب السطر الأخير في جذاذاته. كانت المغنية الفرنسية"اديث بياف" تغرد بأغنية حزينة موجعة.

مابين لقطة البداية والنهاية، سنتابع حياة " العربي بن مبارك"، نتعرف على لمحات من سنوات صاخبة عاشها بين الدارالبيضاء وباريس ومدريد خلال الثلاثينيات والاربعينيات وحتى الخمسينيات. استعان المريني بثلاث أشخاص، ليسوا من الممثلين المحترفين، لأداء دور " العربي" الطفل، ولاعب الكرة الشاب، والرجل المنزوي في أحياء الدار البيضاء، يتذكره الناس تاريخاً، لكن لا احد يعرف حاضره. في الطفولة، نجد أنفسنا مع "طفل شقي" عشقه لكرة القدم وسط الأزقة المتربة في أحياء المدينة، يجعله ينال العقوبة تلو الأخرى من شقيقه الأكبر، لأنه لم يكن يكترث لدروسه. بدت حياته في تلك الفترة طفولة ممزقة.

الدروس كانت ستجعل من"العربي" موظفاً صغيراً في إحدى الإدارات في بلد يحتله الفرنسيون، أما الكرة فإنها حلقت به بعيداً، وجعلته يرتاد أفاقاً لم يكن يحلم بها أقرانه في الأزقة المتربة. هي الكرة التي أتاحت له أن يعبر البحر الى أوربا، حيث كانت الحياة لها مذاق آخر، هو قطعاً ليس طعمها في أحياء "كازا" الشعبية. هي الكرة التي جمع منه مالاً. هي الكرة التي جعلتها يدخل عالم باريس المخملي.

لعب "العربي" في شبابه مع فريق "الاتحاد الرياضي" المغربي حيث بدأت رحلته الاحترافية عام1934 . أختار فريقاً يشجعه الفرنسيون، ويحاول الشريط أن يشرح بان ذلك كان اختياراً رياضياً، ليست له خلفيات أخرى. في بعض اللقطات، يقدم لنا الشريط ، حياة الفرنسيين في مغرب محتل آنذاك. لقطات محايدة ليست فيها " هتافات أو شعارات"، وهنا أعتمد المخرج على حيلة ذكية، هي التركيز على حياة" العربي" وجعل ما حوله يقترب أو يبتعد، بقدر اقترابه من الشخصية المحورية. على الرغم من أن اللقطات التي ظهر فيها أجانب، تظهر بجلاء ان ميزانية الشريط متواضعة، لان المخرج لم يستطع أن يحشد أجانب، أو ان يستعين بديكور كان يتطلب الكثير. الشريط ليس سرداً كرونولوجياً للأحدث، إذ كانت الكاميرا تقترب من تفاصيل حياة قلقة عاشها "العربي" في سنواته الأخيرة، ويجعله هو نفسه يعود بذاكرته الى أحداث سابقة، ويعيش المشاهد"هنا والآن" ثم "هناك وآنذاك".

ينقل الشريط رحلة " العربي" البحرية من الدارالبيضاء الى مرسيليا، ثم الى ملاعب الكرة الفرنسية، قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، وقصته مع زوجته الفرنسية "لويزات" التي أطلق عليها اسم " مليكة" ثم عنايته بأطفاله، ومحاولات تحفيزه من طرف معجبات للانتقال الى فريق "سطاد دو باري" في باريس، وهو الفريق الذي سيلعب له فعلا بعد أن سكتت قعقعة سلاح الحرب العالمية، وخرج الجنود من خنادقهم، وراحت اوربا المتهدمة تستجمع قواها وتلتقط أنفاسها. ومن باريس سينتقل "العربي" الى فريق " أتليتكو مدريد" الذي سيلعب له خمس سنوات، حتى عام 1953. يقفز الشريط قفزات محسوبة، بين الدار البيضاء ومرسيليا وباريس ومدريد. ليس هناك بياض، ثمة تسلسل.هناك انسجام.

كان يفترض ان يعود " العربي" الى الدارالبيضاء، ثرياً ونجماً، لانه أول لاعب مغربي وعربي تعرفه الملاعب الأوربية محترفاً، لكنه يعود محبطاً حزيناً مكتبئاً. لم يجد "الثروة" التي جمعها فقد تبعثرت. لم تكن ثمة "شهرة" إذ تركها هناك في الملاعب الأوربية ولم تبق منها الا أصداء بعيدة في ذاكرة حفنة قليلة من الناس. ناس لم يعد حتى يلتقيهم.

يحاول مرة ان يدخل "ملعب محمد الخامس" في الدارالبيضاء ، ويقدم بطاقته كلاعب محترف، لكن موظفاً يسأله ما إذا كانت البطاقة حقيقية او مزورة. انسحب حتى لا يجعل الأمور تبدو مهينة أكثر مما ينبغي. لم يعد له مكان يذهب اليه سوى مقهى، يرتاده مع مجموعة صغيرة من أصدقائه. كان آنذاك يشعر بأنه ينتسب إلى حياة بلا مجد. توفيت زوجته الفرنسية، وقبلها الزوجة المغربية، توفي ثلاثة من أبنائه، وكان رحيل كل هؤلاء في ظروف تراجيدية، جعلت" العربي" حزيناً. بدا رجلاً يمتلئ صدره بالأحزان وتفيض، جعله ذلك يعزف عن الحياة. تحول عنه الزمان ولم يكترث كثيراً على تحول الزمان.

في اللقطة الأخيرة من الفيلم، بدا "العربي" منهكاً بالخيبات، لم يقبل أن ينتقل حتى إلى منزل أبنائه، فضل العودة الى شقته حيث الصمت والذكريات الموجعة. مات هناك ولم يتسن لأحد أن يسمع كلماته الأخيرة. في آخر لقطة بدت الرياح تعبث بستارة مهترئة في شقة "العربي"، الذي كان قد فارق دنيا الناس. كانت هناك قطة تعيش معه في الشقة، راحت تمشي على مهل فوق درجات سلالم قديمة وهي تموء . ينتهي الشريط.

المصدر : جريدة الشرق الأوسط

0 جواب لـ ” العربي بن مبارك من المجد الى النسيان“

شاركنا بتعليقك

آخر المقالات

مرئيـات

Minkome.com | منكم.كوم | Conception et développement : SAM CORP تنويه :جميع التعليقات هي مسؤولية مؤلفيها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر هذا الموقع.