أهـم الأنبــاء

كوكاكولا لنبني غذا أفضل

المنوني : مسار رجل.

بتاريخ : الاثنين، 8 أغسطس، 2011 | الأعمدة : ,




يحمل تعيين عبد اللطيف المنوني، مستشارا لجلالة الملك، معاني وإشارات سياسية وقانونية واضحة، ليس أقلها أن الوافد الجديد على الديوان الملكي، رأس اللجنة المكلفة بمراجعة الدستور، ونجح إلى حد كبير في المهمة المسندة إليه، في زمن قياسي، وفي ظرف سياسي واجتماعي مثقل بالإكراهات والاحتجاجات، فراكم خبرة إضافية واكتسب قدرة على إدارة الحوار والتوفيق بين الآراء المتباينة فأوصل اللجنة إلى النتائج المأمولة.

ويمكن القول، دون سقوط في مبالغة إطراء الشخص، إنه ليس أفضل من المنوني، إلماما بمناطق الظل والبياض والعتمة، وما سكت عنه المشرع في بنود الدستور الجديد، ما يعني أن تنزيله إلى أرض الواقع، سيقترن عاجلا أو آجلا، وبطبيعة منطق الأشياء، بتأويلات واجتهادات، تدفع نحو هذا المنحى أو ذاك فاقتضت معها الحكمة السياسية الاستعداد لها قبل الأوان، مخافة الوقوع في أزمة تأويل قد تعرقل المسار الانتقالي والتناغم السلس المطلوب بين المؤسسات الدستورية ، وحتى لا تحجب المزايا الكثيرة للوثيقة الأسمى التي صادق عليها المغاربة بنسبة عالية.

ومن المؤكد أن هذا الإجراء الوقائي، لا يعني بالقطع عدم اللجوء إلى آليات التحكيم المنصوص عليها في الدستور نفسه ن إذا ما وقع خلاف عالي بتعبير الفقهاء.

ومثلما امتدح قرار اختيار المنوني رئيسا للجنة المراجعة، فمن المؤكد أن دخوله الرسمي للمشور السعيد، سيقابل بنفس بارتياح ؛ليس كونه اختيار الملك فقط،وإنما بالنظر إلى التجربة والثقافة القانونية والسيرة السياسية التي راكمها "الفقيه المنوني الصغير" خلال مساره العام الذي ينقسم إجمالا إلى مرحلتين كبيرتين : فترة النضال الطلابي في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب حيث كان أحد الوجوه البارزة في المنظمة العتيدة، المحكمين للعقل السياسي قبل الوجدان والعاطفة، خلال قيادة المعارك الضارية مع وزراء التعليم والداخلية الذين حاورهم المنوني ورفاقه باسم الاتحاد الوطني، بعزيمة سياسية صلبة وثقة في صفوف الطلبة وكذلك قدرته على المناورة واستغلال نقط ضعف الخصم أثناء التفاوض لتحقيق المكاسب التي طالما صفقت لها القواعد الطلابية والحزبية .

ولا تقل المرحلة الثانية غنى وثراء، بدأت مع التحاقه بأسرة التدريس في كلية الحقوق بالرباط منتصف الستينيات ، تاركا مقعده الخشبي في شارع "لا فوازييه" (أبي شعيب الدكالي حاليا) حيث مقر السفارة الليبية، دون أن يغيب عنه بالكامل بل حمله ضمن أوراقه التي كان يطوف بها في المحفظة الشهيرة التي كثيرا ما شوهد وهو يتأبطها مضمومة إلى معطفه الأزرق "الغباردين".

لو كنا أمة تؤمن بالتوثيق والتدوين، لعاد المؤرخون والدارسون إلى السجلات والمحاضر الإدارية في وزارة التعليم أو غيرها من المرافق الحكومية، للوقوف على طبيعة القضايا الخلافية بين الحكم والمعارضة في العقود الماضية وخاصة عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، بغاية تكوين فكرة عن شباب ذلك الزمن الذين آلت إلى بعضهم مقاليد بعض الأمور في الزمن الراهن والذي قبله، كما أن "الفاعلين الفرسان" لم يدونوا بدورهم مذكراتهم عن المعارك التي خاضوها، وقد يكون المنوني أحدهم، وهو الذي سيدخل نهاية الشهر المقبل مرحلة "الصيام"عن الكلام السياسي، بعد أن صار قريبا من المراجع العليا، مطوقا بواجب التحفظ،إذ سيحسب عليه أي كلام يتلفظ به خارج السلم الموسيقي الرسمي. هذا إضافة إلى عامل تدمير آخر لجأت إليه السلطات الأمنية، بإتلاف وبعثرة كثير من الوثائق التي عثرت عليها أثناء المداهمات في مقرات الأحزاب والنقابات والجمعيات المغضوب عليها من النظام.

وتدل استعانة جلالة الملك بأكاديمي، من عيار المنوني، النظيف السيرة، على رغبة معلنة من قبل عاهلنا في تفعيل مواد الدستور، وإبراز التوجهات الإيجابية التي يحفل بها والتي لا يمكن أن يدفع نحو تطبيقها بالصورة الأمثل إلا شخصية قانونية عالمة بمواطن أسرار الدستور، منصتة لنبض المجتمع وتفاعلاته.

والمنوني، إنسان هادئ الطبع، ينفعل أحيانا ولكن ابتسامة موزونة سرعان ما تنتشر على ملامح وجهه شيئا فشيئا . اشتهر بثباته على مبادئ الاتحاد الوطني للطلبة، دون القيام بعرض العضلات النضالية. رتب فكره استنادا إلى المنطق الرياضي وبه أدرك معادلات الواقع السياسي المحتقن في غضون العقدين الستيني والسبعيني . وهكذا ، فحينما تعرض الاتحاد الوطني للقوات الشعبية لضربات موجعة متتالية سددها له النظام دون شفقة ولا رحمة، لاذ المنوني، بمحراب التأمل والتفكير، ونأى بنفسه عن الصراعات الحزبية لدرجة أن بعض رفاقه أطلقوا على جماعته "الكهفيين" نسبة إلى قصة أهل الكهف الواردة في القرآن الكريم .

نعت لم يخل من دعابة ممزوجة بسخرية سوداء، لكنه عبر بذات الوقت عن تباين في الرؤى بخصوص كيفية التعاطي مع الوضع الحزبي والسياسي القائم آنذاك.

خلال تلك المرحلة عالية الضغط، حاول المنوني أن يطور الأداة النقابية الموالية للحزب، علها تخفف عن هذا الأخير شطط السلطة وغضبها، فكان ميلاد "الكونفدرالية الديمقراطية للشغل" التي سنتنقل إليها لاحقا عدوى الانقسامات والصراعات الداخلية التي عصفت بالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، دفعت الكثيرين من رفاق "المنوني" إلى الانتظار في راس الدرب النضالي، يراقبون مجرى الأحداث والتطورات، دون القدرة على توجيها كما يريدون، منتظرين الذي قد يأتي وقد لا يأتي.

وفي هذا السياق فإن الجهد النظري الذي قام بها المنوني للتوفيق بين العمل السياسي والنضال النقابي، يضعه إلى جانب المرحوم مولاي عبد الله إبراهيم،مع فارق بينهما، فالراحل دافع عن استقلال تام للعمل النقابي عن الحزب، بتأثير وأغراء وربما ترهيب من المحجوب بن الصديق،الممسك المتحكم بمفاصل الاتحاد المغربي للشغل ، بينما جنح "المنوني" نحو تركيبة جديدة بإمساك العصا من الوسط، مقرا بخصوصية النشاط النقابي دون النأي به تماما عن المعترك السياسي. كلاهما لم ينجح في تطبيق أطروحته . ظل الاتحاد المغربي جهازا فاقدا لحرارة النضال، ودبت "الشعبوية" في الكونفدرالية.

لم يبدل المنوني بذلته النضالية ولا صبغ وجهه بمساحيق النفاق السياسي، كما لم يقايض أو يقامر بالسمعة الحزبية التي اكتسبها في أسرته السياسية، وحتى المختلفون معه، أكبروا فيه شمائله الشخصية ودعوا له التوفيق في المهام الموكلة إليه.

بدخوله إلى المجلس الدستوري، بتزكية من حزب الاتحاد الاشتراكي، بدأ المنوني، رحلة "الابتعاد"عن السياسة السياسوية بمفهومها الاحترافي الضيق، وتوارت صفة المناضل السياسي والنقابي الصلب، مفسحة المجال لصفة الخبير القانوني والدستوري .ربما اقتنع بعد طول تأمل في المشهد السياسي والوقع الاجتماعي أن الصفة الجديدة قد تساعده بمعنى من المعاني، على تنزيل أفكاره ليجربها غيره على أرض الواقع، يقدم الخبرة والمشورة لمن يطلبها .يشبه رجل القانون الطبيب فيبعض الأحوال والمواقف.

وبذلك انتقل المنوني، من معالجة ملفات القضايا الطلابية إلى المساهمة في بلورة حلول للمجتمع المغربي برمته.

يدخل المنوني إلى رحاب القصر الملكي،وقد أنيطت به مهمة تقلدها مستشارون سابقون لم ينالوا التقديرات الأكاديمية التي وصلها باجتهاده ، لكنهم تعلموا "مكر السياسة وفنونها القتالية" وما كان للملك الراحل أن يقبل غير ذلك الطراز من المستشارين.

المصدر : أخبار اليوم المغربية

0 جواب لـ ” المنوني : مسار رجل.“

شاركنا بتعليقك

آخر المقالات

مرئيـات

Minkome.com | منكم.كوم | Conception et développement : SAM CORP تنويه :جميع التعليقات هي مسؤولية مؤلفيها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر هذا الموقع.